
اللواء
ما أعرفه أن علي الهق، الشاب الأنيق، الذي استبق الدعاية المضادة، بإبراز سجل عدلي، لا حكم عليه، صوّب الرصاص إلى صدره، وهو مثل أبناء الأرياف الفقيرة، من حفاة المدن، الذين كتب عباس بيضون، الشاعر الجنوبي، أن علي ورفاقه سيوجهون ذات يوم سكك محاربتهم إلى بطون الأوليغارشية، النهمة، والنتنة، والنافرة، التي أتت على «الأخضر واليابس» مثل الجراد… لم يصوّب علي الرصاص إلى صدورهم أو بطونهم!
وكذا فعل الحبلة، في منطقة جدرا الفقيرة، عندما عجز عن تأمين القوت، من ربطة الخبز، الى المنقوشة إلى أولاده، فاختار الطريق الأصعب، الذي ظنه الأقصر، وشنق نفسه بحبل، بدل أن يلتف هذا الحبل على أعناق هؤلاء، الذين وُكلوا بإدارة شؤون الناس، فعاثوا فساداً في الأرض، مثل الشيطان، الوسواس، الخناس، هذه هي الدنيا، في لبنان.
يخرج الناشطون إلى الشارع، أو عبر المنابر يرفعون الصوت، احتجاجاً، لا أكثر ولا أقل، تقوم قيامة «السلاطين الشياطين»، ينتصرون لكرامتهم! خشية نقد أو تحميل مسؤولية، فيوعزون إلى الزبانية، من «القراء المعدمين»، على طريقة ما كان يفعل «الفوهرر» الألماني، المنتحر، أدولف هتلر… القمع بالاعتداءات، أخذ دور الدولة، وكأن سلطة الدولة، من أمن وقضاء (جالس أو كيفي) لا تكفيهم، فلجأوا ويلجأون إلى السواطير… والآلات الحادة، والسكاكين، للاعتداء على واصف الحركة، غير آبهين بصفته كمحام، وقبله، على محمد زبيب، بصرف النظر عن مهنته، كصحافي.
هذه الطبقة السياسية الشيطانية، وبموازاتها الطبقة المالية الملعونة، التي كاد رئيس جمعية المصارف الحالي (لا حاجة لذكر اسمه) أن يفجّر مجلس الوزراء، معتبراً أن مشاركته في الجلسة المالية الأخيرة، للحكومة، مثل دعوته لشرب «الكأس»… وبمعزل عن مقاصده، فإن «العفن الخلقي»، والانحطاط البشري، يلمسهما المواطن، المنهك كل يوم، من موظف، أو مدير، أو مسؤول، في هذا المصرف أو ذاك… يعبس، يتصرّف بفوقية «يُربّح الناس جميلة»، كما يقال، ومصرفه، والطغمة الحاكمة، مالياً وسياسياً، وضعت يدها على ماله، ونقوده وجنى عمره، وقتلت فيه كل شيء، بما في ذلك الثقة «بالنظام المصرفي».
عندما يقترف فرد عملاً، خارج القانون، أو الانتظام العام، أو يسيء إليه، يكون ماذا؟ يكون مجرماً… أم لا؟!
فجأة، بعد مقابلة إذاعية، وجد الناشط واصف الحركة نفسه، محاصراً بين شبان، يقال إنهم أربعة، ينهالون عليه ضرباً، بآلات حادة، راح الرجل ينزف، طالباً من يسعفه للذهاب إلى المستشفى، فما هو مصير المعتدي، بآلات حادة، في وضح النهار، ومَن أصدر له الأوامر! وهل يدخل في سياق عقاب الشريك والمحرّض.
في غمره الهريان، هذا، وقبل 17 ت1 (2019)، وقبله وقبله… كان ناس كثيرون، ممن شهدوا الحرب، أو الحروب الصغيرة والكبيرة في لبنان، قد أقسموا بالثلاثة، أن لا عودة إلى العنف، أو القتل، وأن المطالبة السلمية، هي المدخل الصحيح للخروج من أي وضع شاذ، أو غير سليم.
لاقت شعارات العنف الثوري، أو استخدام السلاح، أو الثورات، سقوطاً مدوياً، عبر حركة الزمن، منذ أيام كومونة باريس، أو الحرب الأهلية في فرنسا، قبل ما يقرب من 170 سنة ونيّف (1848) إلى الحروب الأخرى، والثورات، فضلاً عن تحولات نظام حركات التحرر، وما شهدته تلك البلدان، من أحداث، انتهت الى ما انتهت إليه من تخلف، وفقر، وفقدان للتنمية.
ربما كان من حظ لبنان واللبنانيين، في وقت من الأوقات، ان انتساب بلدهم يُؤمن بتداول السلطة، بالانتخاب، بصرف النظر عن هذا القانون، وأوضاعه وظروفه والمستفيد منه.
ومع ذلك، وقعت على أرض هذا البلد الجميل «بلد الأرز» أو Pays des cedres، كما يقال بالفرنسية، عند النوستالجيين الكاثوليك والفرنسيين، والذين ظنوا للحظة أن وصايتهم أو انتدابهم، أو عطفهم على هذا البلد، سيبقى أبدياً… وقعت حروب، وأحداث دموية، وتحوّلت أرضه بسواعد شبابه وشاباته إلى مسرح دام لصراعات: العرب واسرائيل، الأتراك والعرب، الإيرانيين والأميركيين، والعرب والعرب، وبات «صندوقة بريد» في صراعات الأقوياء، والضعفاء، من المركز إلى الإقليم الى مساحة الـ10452 كلم2.
تطرح الأوليغارشية المالية، والطبقة السياسية المتوحشة، والمفترسة، على شباب لبنان، أمام إحكام المخارج المقفلة، أسئلة من نوع ماذا بعد؟
فبعد أشهر على اندلاع تظاهرات 17 ت1 (والتي يتمنى كثيرون لو أنها ما كانت لتحدث كان أفضل) عادت الطبقة السياسية، تلتقط زمام المبادرة، في تثبيت سيقانها «المهزوزة» في مداميك البناء اللبناني، حتى ولو كان هشاً… فهي التي تشكل الحكومات، وتذهب إلى التشريع، وتعيّن في الإدارة، وتفاوض المجتمع الدولي، الذي أدار لها الظهر، وأبلغها أن لا ثقة بها، بعد اليوم، وأن لا أموال تعطى لسلطة، لم تكن مؤتمنة على مال بلادها، وذهبت بشعبها الى المجاعة، وأقفلت كل السبل بوجهه.
كما انبرت «طبقة المصارف» إلى التقاط الأنفاس، فبعد التحكم بمال المودعين، وبعد تهريب المليارات والملايين إلى الخارج، في حفلة سرقة موصوفة، وها هي تبحث عن المخارج، في اقتطاع ما لا يقل عن 40٪ من أموال المودعين بالدولار، عبر تقنية الصرف بالمقابل اللبناني… تصوَّر أن المصرف يُعطيك بدل الدولار 3000 أو 3850 ليرة، في حين أن سعر الدولار الرسمي، وصل الى مشارف 11000 ليرة لكل دولار… تأمّل وترى كيف يُنهب مال المودع، عبر «الأداة اللصوصية» نفسها، وبطريقة تكاد تبدو مقبولة ومشروعة، فالبديل عن التعويض الجزئي، السرقة الكاملة.
حرق المجتمعون مصارف، وسكروا فروعاً، لمصارف المهربين (نظرة من شارع الحمراء إلى ساحة إيليا، وحلبا، وطرابلس، وصور، ترى المصارف التي أقفلت أو احترقت أو تعرضت لإيداء المتظاهرين)، ولكن بلا جدوى… فلم يتغيَّر شيء.
تنقطع الكهرباء، يختفي المازوت، تُفتعل أزمة الطحين، تنهار مجموعات المعالجة والمفاوضة مع صندوق النقد الدولي… ولا شيء يتغيّر.
ليس من المقبول، بأي وجه من الأوجه أن «يحميها حراميها»، وأن يمضي تحالف المال، مع أبشع تمثيل طائفي في البلد (أحزاب الطوائف وكتلها النيابية) في البحث عن مخارج. فالطريق لم تعد من هنا، أي عبر هذه المجموعة «التعيسة» والحاقدة، والتي دخلت «مزابل التاريخ» قبل أن تدفن فيها، لكن معاول الثوار، ليست جاهزة.
والمجال هنا، ليس لمناقشة هذه الفكرة، بصرف النظر عن أن الحراكيين، على شتى تسمياتهم، ثواراً هم أم لا؟
بتدابير قضائية، أو إدارية، أو مالية، أطبقت العتمة على بيروت… فلا كهرباء، لا عبر الشركة (شركة كهرباء لبنان) التي اقتربت من إعلان إفلاسها، عندما كاتبت «الوزير البشوش»، المسمى وزيراً للطاقة والمياه، بأنها غير قادرة على إدارة مرفأ عام، أو عاجزة عن الاستمرار، لتغرق البلد من عاصمته، التي واجهت طغاة الغزو الإسرائيلي عام 1982، وتمكن من الصمود، بوجه كل الحروب بكهربائها ومائها، وتكاتفها الوطني والاجتماعي، إلى سائر مدنه وقراه… حتى المولدات الخاصة والعامة، العائدة للبلديات أو الشقق السكنية لجأت الى التقنين في شهر تموز (حيث يغلي الماء بالكوز)، والوزير وشركته، كما المصارف، يريحون المواطن، الذي يدفع الفواتير للشركة، بأن «الكهرباء مقطوعة»، على طريقة «المي مقطوعة يا أفندي».
هذه الانهيارات والتفسخات، لم تفلح في الاتفاق على ترحيل «حكومة التفليسة»، التي تصر على تقديم «المطالعات الأكاديمية» الخيالية للمعالجة، من دون أدنى مواجهة فعلية، لمجريات الأحداث، ومؤشراتها، وأبعادها المستقبلية.
في الصراعات الكبرى، انهارت وظيفة البلد، التجارية والخدماتية، ودور الوسيط، وسوى ذلك، من إبداعات برجوازية الازدهار ومفكريها، إلى «ترهات» برجوازية السلب والنهب، وأقزامها في الإعلام وعلى المنابر… والسؤال: ماذا بعد الانهيار… هل طارت الدولة الواحدة؟ وهل الخلاص بتفاهمات أكبر بين المركز والإقليم… الكل بالانتظار!!
from وكالة نيوز https://ift.tt/2Z0Q52P
via IFTTT
0 comments: