Monday, June 15, 2020

ضم إسرائيل الضفة الغربية سيكون مأساةً أخرى للفلسطينيين

مُحرِّر دبلوماسي ومُحرِّر سابق لشؤون الشرق الأوسط بصحيفة The Guardian البريطاني

من غير المُستغرَب أن يوضح بنيامين نتنياهو الأمور الآن بشكلٍ صارخ. في 28 مايو/أيار، أوضح أنه عندما تمضي حكومته -وليس إذا مضت حكومته- قُدُماً في إلحاقٍ أحادي الجانب لأجزاءٍ من الضفة الغربية المحتلة، لن يُمنَح آلاف من السُكَّان الفلسطينيين لا مواطنة ولا حقوقاً متساوية.

وقبل ذلك بوقتٍ قصير، نشرت جماعةٌ من المستوطنين الإسرائيليين صورةً لهم وهم يحدِّقون في خريطةٍ لما يسمونه -كما يسميها أيضاً نتنياهو- بأسماء توراتية، يهودا وشومرون، ما أثار تعليقاتٍ من فلسطينيين وليبراليين إسرائيليين بأن الصورة تُجسِّد الطابع المؤسَّسي لنظام الفصل العنصري الرسمي. ومن الصعب الجدال ضد هذا الاستنتاج.

أدلى نتنياهو بتصريحه بعد ثلاثة انتخاباتٍ وصلت إلى طريقٍ مسدود، مكَّنَت حزب الليكود أخيراً من تشكيل تحالفٍ مع مُنافِسه السابق، بيني غانتز، زعيم حزب أزرق-أبيض الوسطي. وفي ظلِّ اتفاقهم، ستُتَّخَذ خطواتٌ، من 1 يوليو/تموز المقبل، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، من أجل ضم المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية ووادي الأردن رسمياً.

وليس من المؤكَّد بعدُ ما الذي سيجري على وجه التحديد. تُعَدُّ احتمالات إعادة انتخاب دونالد ترامب عاملاً مُتغيِّراً مهماً؛ نظراً إلى الوضع الداخلي المُتقلِّب في الولايات المتحدة، وكذلك ردود الفعل المُحتَمَلة من الأردن ومصر، وهما الدولتان العربيتان الوحيدان اللتان تجمعهما اتفاقيات سلامٍ مع إسرائيل. لكن الشيطان لا يكمن في التفاصيل. إذا مُضِيَ قُدُماً في ضمِّ أيِّ منطقة، فسوف ينتهك هذا بشكلٍ صارخ، القانون الدولي وعدداً لا يُحصى من قرارات الأمم المتحدة. ولا يمكن أن يمر الأمر دون رد فعل. لابد أن تواجه إسرائيل عقوباتٍ، تماماً مثل روسيا حين ألحقت إلى نفسها إقليم القرم من أوكرانيا.

والأسوأ من ذلك هو أن هذا الإلحاق سيكون بمثابة المسمار الأخير في نعش ما كان يُنظَر إليه على مدار عقودٍ مضت على أنه الحل الوحيد الممكن لأكثر صراعات العالم استعصاءً وخلافاً: دولتان ذواتا سيادة للشعبين اللذين يسكنان الأرض الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن، شئنا أم أبينا (وكثيرون منهم بالطبع يأبون ذلك).

يرحِّب داعمو الحقوق الفلسطينية بشكلٍ متزايد بهذا التهديد الإسرائيلي الذي يلوح في الأفق. يقولون بإصرارٍ “نفِّذوا الضم”، فكلما ساءت الأمور كان ذلك أفضل. جادَلَ جدعون ليفي، كاتب الأعمدة بصحيفة Haaretz الإسرائيلية، قائلاً: “ليس من الضروري أن تكون أناركياً أو ماركسياً لكي ترى الفرصة الكامنة في هذه الرؤية المُروِّعة”. واستنكَرَ الناشط المدني الفلسطيني علاء الترتير “الهوس بفكرة الدولة… في ظلِّ الاستعمار”.

وقد أصبح من المألوف الجدال بأن الخطوة التي يُقدِم عليها نتنياهو سوف توضح، بشكلٍ قاطعٍ وإلى الأبد، أن حلَّ الدولتين ما هو إلا خيالٌ في دور ورقة التوت للتمدُّد التدريجي للضمِّ الإسرائيلي المتواصل منذ العام 1967 والذي تسارَعَ في العقدين الأخيرين. فواقع “الدولة الواحدة” الحالي قائمٌ منذ زمنٍ طويل.

ويُصِرُّ المدافعون على أن الضمَّ سوف يعني عدم التركيز دون جدوى على احتلالٍ من دون تكلفة، بل على نهجٍ مبنيٍّ على الحقوق سوف يحوِّل إسرائيل إلى نظامِ فصلٍ عنصري كالذي كان في جنوب إفريقيا، وإن كان مع عددٍ متساوٍ من السكان بهذا القدر أو ذاك، ليس مثل الـ11% من الأقلية البيضاء الذي حكموا البلاد من بريتوريا حتى عام 1994. سوف يوضَع حدٌّ للإفلات من العقاب.

والآن من الصعب بالتأكيد ادِّعاء أن حلَّ الدولتين في مُتناوَل اليد. لم تُعقَد أيُّ محادثات سلامٍ منذ العام 2014. وفي 2008، اقترب إيهود أولمرت ومحمود عباس من عقد صفقةٍ، لكنهما فشلا في التوصُّل إليها بالفعل. وقبل ذلك، تبخَّرَت الآمال العريضة المُعلَّقة على الانتفاضة الأولى 1987، إذ صار من الواضح أن اتفاقية أوسلو في 1993 لن تسفر عن تأسيس دولةٍ فلسطينية. وسدَّدَت الانتفاضة الثانية ضربةً أقرب إلى القاضية لهذه الآمال. لكن هل من بديل؟

والحقيقة هي أنه ما مِن أحدٍ لديه استراتيجية قابلة للتطبيق ولو بعد فترةٍ طويلة، لإنشاء دولةٍ مُوحَّدة واحدة تمنح حقوقاً متساويةً للجميع. على الجانب الإسرائيلي، فإن الحركة الضئيلة “دولتان، وطن واحد” هي أقرب من توصَّل إلى رسم إطارٍ لعلاقةٍ كونفدرالية من شأنها أن تسمح -نظرياً على الأقل- للفلسطينيين بحقِّ العودة، ولليهود بأن يعيشوا في مناطق مهمة بالنسبة لهم على أسسٍ دينية أو قومية. لكن من الصعب تصديق هذا،وهذه عبارةٌ مُلطِّفةٌ إلى حدٍّ كبير.

من شأن الإلحاق أن يزيد الأمور سوءاً، إذ تتضمَّن المخاطر قصيرة الأمد انهيار السلطة الفلسطينية ونهايةً لما تبقَّى من أوسلو، وأزمةً في العلاقات الإسرائيلية مع الأردن ومصر والحلفاء الفعليين بالخليج، وفي المقام الأول صعود العنف بصورةٍ لا تُقارَن بالانتفاضة الأخيرة. سيزعزع الإلحاق أيضاً استقرار المنطقة المُتقلِّبة بالفعل، مانحاً فرصاً وفيرة تستغلها إيران وحزب الله.

سيعاني الفلسطينيون بشكلٍ مباشر، وبحسب تحذير المحامي مايكل سفارد، فإن ذلك “سوف يؤدِّي إلى مصادرةٍ هائلةٍ، وتلقائية في بعض الحالات، للأرض والممتلكات الفلسطينية، وما يتبعه ذلك من طرد أفراد وعائلات ومجتمعات كاملة من المناطق المُلحَقة”. وسيظل الوضع في غزة، التي تؤوي ميلوني فلسطيني، دون تغيير.

وفي الصورة الكبيرة، سيمثِّل الإلحاق نقطة تحوُّلٍ تاريخية لفلسطين. سيقارن المؤرِّخون المستقبليون ذلك بوعد بلفور عام 1917 وحربي 1948 و1967. سيقلب ذلك المبدأ الرئيسي رأساً على عقب، ذلك المبدأ الذي اعترفت به لجنة بيل البريطانية في 1937 والأمم المتحدة في 1947، وهو أن الطريقة الوحيدة لحلِّ الصراع هي التقسيم إلى دولتين يهودية وعربية، ما يضمن تقرير المصير القومي لكلا الشعبين اللذين يدَّعيان أحقيتهما في الأرض.

وسط تشتيت الانتباه العالمي بصورةٍ غير مسبوقة، لا تُعتَبَر علامات الاستجابة الدولية مُشجِّعة. لقد رفض الفلسطينيون، من مختلف الولاءات، “صفقة القرن” لترامب، وليس المُرشَّح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن جذرياً بما فيه الكفاية لإصلاح الضرر الذي سبَّبه ترامب، والاتحاد الأوروبي منقسم، وبريطانيا مشغولةٌ بقضايا ما بعد بريكست التي لم تُحَل بعد، ومن غير المُرجَّح أن تفعل شيئاً ذا مغزى.

سيؤدي الإلحاق أحادي الجانب بالإسرائيليين والفلسطينيين وصراعهم غير المتكافئ إلى منطقةٍ مجهولة. لكن إذا كان التاريخ قد علَّمنا درساً، فهذا الدرس هو أن الحقائق على الأرض، سواء كانت شرعيةً أو غير شرعية، من غير المُرجَّح أن تنقلب من دون عنف. ولن يتحسَّن الوضع، حتى لو تأجَّل الإلحاق أو لم يحدث قط. ما مِن نهايةٍ سعيدةٍ في الأفق.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. 



from وكالة نيوز https://ift.tt/3hszHj7
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل